فخر الدين الرازي

93

تفسير الرازي

كما في حق ولد نوح ، والعاصي من المطيع ، وبالعكس . الثالث : قد يصير بعض ما يقطع عليه بأنه يوجب المضرة سبباً للنفع العظيم ، وبالعكس . ذكروا في الطب أن إنساناً سقوه الأفيون الكثير في الشراب لأجل أن يموت ، فلما تناوله وظن القوم أنه سيموت في الحال رفعوه من موضعه ووضعوه في بيت مظلم فخرجت حية عظيمة فلدغته فصارت تلك اللدغة سبباً لاندفاع ضرر ذلك الأفيون منه ، فإن الأفيون يقتل بقوة برده ، وسم الأفعى يقتل بقوة حره فصارت تلك اللدغة سبباً لاندفاع ضرر الأفيون ، فههنا تولد عما يعتقد فيه كونه أعظم موجبات الشر أعظم الخيرات ، وقد يكون بالعكس من ذلك ، وكل هذه الأحوال المختلفة والأفعال المتدافعة تدل على أن لهذا العالم مدبراً حكيماً ما أهمل مصالح الخلق وما تركهم سدى ، وتحت هذه المباحث مباحث عالية شريفة . البحث الثاني : من مباحث هذه الآية قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم * ( الميت ) * مشددة في الكلمتين والباقون بالتخفيف في الكلمتين ، وكذلك كل هذا الجنس في القرآن . البحث الثالث : أن لقائل أن يقول : إنه قال أولاً : * ( يخرج الحي من الميت ) * ثم قال : * ( ومخرج الميت من الحي ) * وعطف الاسم على الفعل قبيح ، فما السبب في اختيار ذلك ؟ قلنا : قوله : * ( ومخرج الميت من الحي ) * معطوف على قوله : * ( فالق الحب والنوى ) * وقوله : * ( يخرج الحي من الميت ) * كالبيان والتفسير لقوله : * ( فالق الحب والنوى ) * لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر النامي من جنس إخراج الحي من الميت ، لأن النامي في حكم الحيوان . ألا ترى إلى قوله * ( ويحيي الأرض بعد موتها ) * وفيه وجه آخر ، وهو أن لفظ الفعل يدل على أن ذلك الفاعل يعتني بذلك الفعل في كل حين وأوان . وأما لفظ الاسم فإنه لا يفيد التجدد والاعتناء به ساعة فساعة ، وضرب الشيخ عبد القاهر الجرجاني لهذا مثلاً في كتاب " دلائل الإعجاز " فقال : قوله : * ( هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء ) * إنما ذكره بلفظ الفعل وهو قوله : * ( يرزقكم ) * لأن صيغة الفعل تفيد أنه تعالى يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة . وأما الاسم فمثاله قوله تعالى : * ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) * ( الكهف : 18 ) فقوله : * ( باسط ) * يفيد البقاء على تلك الحالة الواحدة . إذا ثبت هدا فنقول : الحي أشرف من الميت ، فوجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي ، فلهذا المعنى وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل ، وعن الثاني بصيغة الاسم ؛ تنبيهاً على أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي . والله أعلم بمراده . ثم قال تعالى في آخر الآية : * ( ذلكم الله فأنى تؤفكون ) * وفيه مسألتان :